علي بن عبد الكافي السبكي
343
فتاوى السبكي
كالكلام في ذلك ولا شك أن من سأل وتعاطى بعض السبب أعلى ممن سأل فقط وعمر حصل له أمران أحدهما سؤاله الشهادة العليا والثاني حصول الشهادة بالقتل حقيقة فله أجر الثانية حقيقة عليها وله أجر الأولى بالقصد والنية والسؤال وإنما قلنا إنه سأل الشهادة العليا لإطلاق اللفظ وإنما يقصد الأكمل لكن اكتفى في استجابة دعائه بحصول الاسم وسأل الموت في بلد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو شيء ثالث ليكون له شفيعا أو شهيدا وفيه أمر رابع وهو أن الذي قتله لم يقتله لأمر دنيوي بل على الدين فهو كقتل الكافر المسلم في سبيل الله وليس كمن قتله عدو له ظلما على عداوة دنيوية بينهما وإن صدق عليه اسم الشهادة فإن الشهيد في المعركة وعمر رضي الله عنه اشتركا في أنهما إنما قتلا لقصدهما إعلاء كلمة الدين وإظهار الدين وقاتلهما قصد ضد ذلك وإخفاء دين الله فهو صاد على الله وهذا معنى آخر لم نذكره فيما تقدم فيتنبه له في الشهيد وهذا معنى كونه في سبيل الله معناه في طريق استعمله الله فيها نصرة لدينه فهو عبد سار في طريق سيده لتنفيذ أمره حتى غلبه عدو سيده لا لدخل بينهما بل عداوة للسيد أليس السيد يغار له والله أشد غيرة وقال صلى الله عليه وسلم من سأل الله القتل في سبيله صادقا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد وقال أيضا من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه إذا عرفت حقيقة الشهادة فاعلم أن لها أسبابا أحدها القتل في سبيل الله وقد ذكرناه الثاني أسباب أخر وردت في الحديث سنذكرها إن شاء الله تعالى ووجدنا في السبب الأول أمورا ليست فيها فلما رأينا الشارع أثبت اسم الشهادة للكل وجب علينا استنباط أمر عام مشترك بين الجميع وهو الألم بتحقق الموت بسبب خارج وإن اختلفت المراتب وانضم إلى بعضها أمور أخر وأما الشروط فأمور أحدها أن يكون قتاله لإعلاء كلمة الله فقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ولا شك في ذلك لأن به يتحقق المعنى الذي قدمناه والذي قاتل شجاعة أو رياء أو حمية ليس قتاله لله فليس في سبيل